السيد محمد تقي المدرسي

100

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وقال المطرزي في المغرب : الأُسوة ؛ اسم من إئتسى به إذا إقتدى به وإتبعه . ويقال آسيته بمالي ؛ أي جعلته أُسوة أقتدي به ويقتدي هو بي ، وواسيت لغة ضعيفة . « 1 » وقال حسن المصطفوي : أسو ؛ أصل واحد يدل على المداواة والاصلاح . أسوت الجرح : داويته ، ولذلك يسمى الطبيب الأسي . أسوت بين القوم : أصلحت بينهم . ومن هذا الباب : لي في فلان أسوة ؛ أي قدوة ، أي أني أقتدي به . وآسيت فلانا : عزيته . « 2 » ولكني أتصور أن أصل معاني هذه الكلمة المساواة ، ومنه إشتقاق معنى العلاج ، لأنه استواء الخلقة . وكذلك إصلاح ذات البين ، لأنه تسوية ما شجر فيه . وكذلك التعزية ، لأنها إعلان عن المشاطرة مع أهل المصيبة في حزنهم . ومن هنا التأسي والإيتساء هو محاولة التشبه بالأسوة للتساوي معه ، وهو يوحي بالمشاطرة معه في المتاعب والمصاعب ، وكذلك المصائب . وإذا لاحظت موارد استعمال هذه الكلمة في العربية ، لوجدت هذه المفارقة . ومن هنا فإن علينا تحمل الصعاب لنتساوى مع قدواتنا الكرام . وعلى هذا فإن آيات التأسي لا دلالة فيها على ضرورة الاقتداء بالنبي في أفعاله بصفة مطلقة . وقد أجاد العلامة المظفر في رده الاحتجاج بالآية الكريمة على وجوب التأسي ، حيث قال : إن الآية نزلت في واقعة الأحزاب ، فهي واردة مورد الحث على التأسي به في الصبر على القتال ، وتحمل مصائب الجهاد في سبيل الله . فلا عموم لها بلزوم التأسي أو حسنه في كل فعل حتى الأفعال العادية . وليس معنى هذا أننا نقول بأن المورد يقيد المطلق أو يخصص العام ، بل إنما نقول إنه يكون عقبة في ( طريق ) إتمام مقدمات الحكمة للتمسك بالاطلاق . فهو يضر بالاطلاق من دون أن يكون له ظهور في التقييد . « 3 » ، « 4 » رابعاً : الفعل أشد أثراً من القول ، وأبلغ في الاتباع ، بالرغم من أن القول أجلى بياناً وأوضح .

--> ( 1 ) المغرب في ترتيب المعرب ، للمطرزي ، دار الكتاب العربي بيروت لبنان ، ص 26 . ( 2 ) التحقيق في كلمات القرآن الكريم ، ج 1 ، ص 78 . ( 3 ) أصول الفقه للعلامة المظفر ، ج 2 . ( 4 ) أهم مقدمات الحكمة أن الاطلاق لا يفهم من الكلام إلّا إذا كان المتحدث في مقام البيان ؛ أي في معرض توضيح الفكرة من جميع الجهات . وفي هذه الآية لا نعلم بأن القرآن في معرض بيان الاقتداء بالرسول من جميع الجهات ، وانما فقط في الصبر على الشدائد .